Home / Articles / احتفالات رأس السنة الآشورية (نيسان) في نينوى وبابل قبل الميلاد

احتفالات رأس السنة الآشورية (نيسان) في نينوى وبابل قبل الميلاد

لا بدّ من إعطاء القاريء صورة موجزة عن البرنامج الإحتفالي الذي بموجبه كانت تقام الإحتفالات بعيد رأس السنة الآشورية في بابل ونينوى بنفس الوقت، حيث نلاحظ فكرة سيد الآلهة، الذي سمي “مردوخ” في بابل، و “آشور” في نينوى. فقد كانت احتفالات رأس السنة البابلية- الآشورية (آكيتو) تقام بدءا من أوّل ليلة الإعتدال الربيعي (تساوي الليل مع النهار)، وتتخللها الصلوات والتمثيليات الدينية الضخمة على شكل مهرجانات سنوية يشارك فيها الشعب من كافة الطبقات، فيما يستعمل الكهنة نماذج تمثل الآلهة، كمجرّد وسيلة تعبير ليس إلاّ، و كانت احتفالات آكيتو تجري وفقاً للبرنامج التالي:

من اليوم الأوّل إلى الثالث:
تطهير النفوس؛ في هذه الفترة يقوم كاهن الإيساغيلا(بيت مردوخ) بتلاوة طقوسٍ حزينة، بمشاركة كهنة المعبد، ويرد عليهم المشاركون من الشعب بترانيم باكية تعبّر عن خوف الإنسان من المجهول، لذلك يتّجه الكاهن الاعلى كلّ صباح إلى الإيساغيلا لطلب الغفران من مردوخ، راجياً إياه حماية بابل، مدينته المقدّسة وسُمّيت هذه الصلاة : سرّ إيساغيلا.

اليوم الرابع:
في الصباح، يسير كلّ شيء كما في الأيام الثلاثة الأولى، وفي المساء كانت تُتلى ملحمة الخلق “إينوما إيليش” (عندما في العُلى) بالكامل، لتحكي عن بدء الكون وتكوّن الفصول وإتحاد قوّة كافة الآلهة في الإله مردوخ بعد انتصاره على التنين تيامات وتعتبر تلاوة هذه الملحمة، تحضيراً لطقوس خضوع ملك بابل أمام مردوخ، في اليوم الخامس من آكيتو.

اليوم الخامس:
يوم الخضوع لملك بابل أمام الإله مردوخ، حيث سيدخل الملك الإيساغيلا برفقة الكهنة، ويتجهون نحو المذبح، فيدنو الكاهن الأعلى للإيساغيلا من الملك آخذاً دور الإله مردوخ، ويبدأ بتجريده من حليّه وصولجانه وحتّى تاجه، ثمّ يصفع الملك بقوّة حيث يركع الأخير ويبدأ بتلاوة الغفران وإعلان خضوعه لمردوخ قائلاً: ” أنا لم أخطيء يا سيّد الكون، ولم أهمل أبداً جبروتك السماوي…” ويردّ عليه الكاهن بدَور مردوخ : ” لا تخف ممّا يقوله مردوخ، فسوف يسمع صلواتك ويوسّع سلطانك، ويزيد عظمة مُلكك…”
وبعدها يقف الملك فيعيد اليه الكاهن حليّه وتاجه ثم يصفعه مرّة أخرى بقوّة على أمل أن يذرف الملك دموعه، لأنّ ذلك سيعبّر عن المزيد من الخشوع لمردوخ والإجلال لسلطانه. وعندما يقوم الكاهن بإعادة التاج إلى الملك، إنّما يعني ذلك تجديد السلطة من الإله مردوخ، وبذلك سيعتبر نيسان تجديداً ليس للطبيعة وللحياة فحسب، بل لنظام الدولة كذلك. وهكذا ستجعل هذه المراسيم أعظم وأرهب الشخصيات في ذلك الزمان (ملوك بابل ونينوى)، ترضخ للإله الأعظم، وتعيش لحظة تواضع مع عامّة الشعب من كافّة الطبقات، مما سيؤدّي إلى تضرّعاتٍ يشارك بها الشعب بأكمله، ليثبت إيمانه أمام جبروت الله… وبعد نزوله إلى بيته الأرضي (بابل)، وتجديده لسلطان ملكها، يبيت الإله مردوخ في “جبل العالم السفلي”، وهو برجٌ مؤلّف من سبعة طوابق عُرق في التوراة ببرج بابل، وفيه بيت مردوخ، أو”إيساغيلا” (كما سيسكن الله في “جبل” حسب التوراة في سفر المزامير. ففي هذا اليوم من تقليد آكيتو يكون الإله مردوخ قد دخل بيته ويفاجأ بالآلهة التي سيتعارك معها ويؤسَر في الجبل، بانتظار وصول إبنه الإله نابو الذي سينقذه من “العدم” ويُعيد مجده.

اليوم السّادس:
وصول الإله نابو، برفقة أعوانه من الآلهة الشجعان القادمون من نيبور وأوروك وكيش وأريدو (مدن في جنوب العراق الحالي)، بواسطة المراكب، (كانت الآلهة المرافقة لنابو متمثلة بتماثيل رمزية توضع في مراكب صُنعت خصّيصاً لهذه الذكرى)… وهنا يبدأ الشعب بالسير بأعداد هائلة وراء الملك باتجاه الإيساغيلا حيث مردوخ الأسير، مرنمين أغنية مطلعها: “هوذا القادم من بعيد ليعيد المجدَ إلى أبينا الأسير”.

اليوم السّابع:
نابو يحرّر الإله مردوخ في اليوم الثالث من الأسر، حيث كانت الآلهة الشريرة قد أغلقت باباً كبيراً وراء مردوخ بعيدَ دخوله بيته، وتعارك مردوخ معها، لحين مجيء نابو الذي سيكسُرالباب الصلب، وتبدأ معركة بين الفريقين ينتهي بها الأمر إلى انتصار الإله نابو وتحرير مردوخ.

اليوم الثامن:
بعد تحرير الإله مردوخ، تجمَّع تماثيل الآلهة، في غرفة الأقدار(أوبشو أوكينا)، حيث من المتوقّع أن تجتمع الآلهة لتقرّر مصير مردوخ، وينتهي الأمر بتجميع قوى جميع هذه الآلهة لتوهَب مجدداً إلى الإله مردوخ وهنا يأتي الملك راجياً كلاّ من الآلهة للسير مع مردوخ إكراماً له، وهذا التقليد يدلّ على خضوع كافّة الآلهة إلى سيدها مردوخ ، الوحيد في مرتبته.
اليوم التاسع:
يسير موكب النصر إلى “بيت آكيتي”، وهو المكان الذي يُحتفَل به بانتصار مردوخ – في بدء الخليقة – على التنين تيامات (آلهة المياه السفلى) ويقع “بيت آكيتي” (يسميه آشوريّو نينوى “بيت إكريبي” إي ” بيت الصلاة” بالآشورية القديمة) على بعد حوالي 200 متر خارج سور المدينة، حيث الأشجار الغريبة المزينة، والمسقيّة بعناية فائقة لتليق بمستوى الإله الذي يُعتبر واهب الحياة في الطبيعة ويعبّر هذا التقليد (موكب النصر) عن مشاركة عامّة الشعب بالفرحة بتجدد سلطان مردوخ (آشور)، وتدمير قوى الشر التي كادت أن تتحكّم بالحياة منذ البدء.

اليوم العاشر:
بعد الوصول إلى “بيت آكيتي”، يبدأ الإله مردوخ بالإحتفال مع آلهة العالمين العلوي والسّفلي (توضع تماثيل الآلهة حول طاولة كبيرة، بشبه وليمة) ويعود إلى قلب المدينة للإحتفال بزواجه من الآلهة “عشتار” في المساء، حيث تتحد الأرض مع السماء. وتطابقاً مع زواج الآلهة، يطبَّق هذا الزواج على الأرض كذلك، فيقوم الملك بتمثيل هذا الزواج مع كبرى كاهنات الإيساغيلا حيث يجلسان سويّة على العرش أمام الشعب ويبدآن بتبادل الأشعار الخاصّة بهذه المناسبة، على أنّ هذا الحب هو الذي سيولّد الحياة في الربيع.
اليوم الحادي عشر:
في هذا اليوم تعود الآلهة برفقة سيدها مردوخ (آشور) لتجتمع في بيت الأقدار (أوبشو أوكينا) الذي اجتمعت فيه في اليوم الثامن للمرّة الأولى، إنّما هذه المرّة تجتمع لتقرير مصير الشعب، شعب مردوخ (آشور). وفي الفلسفة القديمة في بلاد آشور يعتبر الخَلق بشكلٍ عام، تعهداً بين الأرض والسماء على أن يخدم الإنسان الآلهة حتى مماته، وبالتالي لا تكمل سعادة الآلهة إلاّ بسعادة الإنسان الذي يخدمها لذا سيكون مصير الإنسان السعادة ولكن شرط أن يخدم الآلهة… إذاً سيقرّر مردوخ مع الآلهة عهداً جديداً لبابل ويصعد عائداً إلى بيته العلوي (السماء).

اليوم الثاني عشر:
وهو اليوم الأخير من آكيتو، حيث تعود الآلهة إلى معبد سيدها مردوخ، (تعاد تماثيل الآلهة إلى المعبد) وتعود الحياة اليومية إلى بابل ونينوى… وباقي المدن الآشورية.

About

Check Also

أحد تقديس البيعة: “أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة”

نحن نحتفل بأحد تقديس البيعة، ونتأمل معكم ، بحسب إنجيل متى (16، 13-32) بسؤآلي المسيح …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *