Home / Articles / وأخيرًا… الإنسان في محطة الصوم

وأخيرًا… الإنسان في محطة الصوم

وأخيرًا… الإنسان في محطة الصوم
مقالة للأب يوخنا ياقو منشورة في موقع “كاروزوتا”

وأخيرًا وصلت ذاتك إلى محطة الصوم، لتتنفس الصعداء بعد أن تعبت بسبات أفكارك وتراكم ملذاتك وإصابتك بمرض عسر الهضم لما تنتاوله من وجبات فقيرة في العناصر الروحية المفيدة. فبات الرحيل إلى محطة الصوم ضرورة ملحة، فهو ما يعيد انسجام وظائف النفس وترابطها بأواصر متينة لا تتفكك واندماج لا مثيل له.
لست وحيدًا في هذه المحطة، ولن تكون الأخير ممن تحط قدماه على أرصفته. وأنا واثق بأنك ستعاود زيارته بانتظام… وأحيانًا أخرى بدون سابق تدبير أو تخطيط، لانهيار قواك وتشتت انتباهك وانصهار حياتك في قالب الممارسة اليومية والعادة الروتينية.
أنا حقيقة لا أعلم متى أوجدت هذه المحطة في خارطة قطار العُمر، لكني أعلم أنها غالبًا ما باتت وصلة ربط بين نقطتي سفر، بتعديل المسار وتقويمه. لكن هذا لا يعني بأن كل من مر بهذه المحطة توقف عندها ونزل على أرصفتها، فهناك من كان لها عابر سبيل ولمح بسرعة البرق مرور اشجارها وأعمدة نورها، أغلب الظن لأنهم توقعوا بأن قطارهم سيقف عند تلك المحطة، لكنهم بإهمالهم الاطلاع في تذكرة سفرهم عبروا المحطة دون توقف. فتلك المحطة… محطة رئيسية، ومفترق طريق.
الذوات التي تزور هذه المحطة هي بالملايين، ومن مختلف الجنسيات والمعتقدات. هلا رأيت قاصدينها وأكتافهم تدفعك دون أن يقدموا الاعتذار منك. لا تماثلهم في ذلك، بل انتبه كثيرًا لوجهتك ولا تخطو قدمًا واحدًا دون أن تعلم مسارك جيدًا.
ليس من المهم كم تبقى في محطة الصوم، فأحياناً لحظة واحدة قد تكون كافية لتعلم ذاتك قصدها. والتخطيط والتجهيز المُسبق لرحلتك ينفع كثيرًا في الوصول إلى غايتك بساعات سفر وإرهاق أقل. وبالطبع سمو الغاية والقصد هو ما يحدد مبيتك في تلك المحطة، وموعد رحيلك عنها. لكني كما نوهت لك مسبقا بأن ستعاود رحلتك مجددًا وعبر نفس هذه المحطة ونفس هذا الوقت من كل عام، لكني أرجو أن تكون قد غيرت وجهتك وبحثت عن هدف جديد لرحلتك، على سبيل المثال إلى ساحلٍ رماله لم تطئه قدم، وشمس تمد حبال أشعتها إلى أعماقك السحيقة. لا تصغي إلى من ينصحوك بالسفر إلى الساحل التقليدي الذي مررت به من قبل، وتدرك جيدًا أنك لم تربح شيئاً منه مطلقا، بل أنفقت كل ما تملك في أوهام باطلة، وتخيلات وحماقات جاهلة. لم تُنشأ سكك محطة الصوم لتستقل ذاتك قطارها إلى تلك المرافئ، بل هناك من ربط سكك تلك المرافئ عنوة بمحطتنا العظيمة. وللأسف نحاول مرارًا وتكرارًا بأن نحذر ونمنع من رحيلهم عبر محطة الصوم إلى تلك المرافئ، وكان في مخططنا بأن نحطم أوصلة الربط وسككها، لكن من يقطنوا مرافئ الجهل والرياء، فريسي العصر وكتبته يُصرّون على إبقاء تلك السكك متحججين بالعدد الكثير الذي يرغب بالسفر إلى محطتهم عبر محطة الصوم، وحسب نمط الحرية المُهداة إلى القاطنين في هذه البلاد، لا نستطيع أن نهدم تلك السكك مالم يقل عدد المتوجهين إلى تلك المرافئ، عندها فقط نستطيع أن نعلن على الملأ بإبطال الرحلات إلى تلك المرافئ الوهنة.
لقد سلك الكثير قبلك واستخدموا بوصلة ذواتهم بإمعان ليتيقنوا لاحقا في معرفة خطواتهم جليًا، وأثمروا لاحقا خلال عبورهم محطة الصوم حتى جاءت الملائكة بأنفسها لتخدمهم. لقد قادهم الروح في برية موحشة، ليعلموا معنى التجريد من كل شيء، فرغبات النفس أضحت كجبال تفصل ذواتنا عن بعض، لذا من الضروري أن تسمح بعزلة كافية لذاتك لتعطها الفرصة لتعود إلى حيويتها السابقة وتستجمم فعاليتها الأصلية. لكني سأبلغك بأمر في غاية الأهمية عليك أن تدركه مليًا، حيث بعد وهلة من انطلاق قطارك من نقطة محطة الصوم قد تواجهك الكثير من المتاعب، فهناك الارهاق الذي يلحق بفترة تواجدك في تلك المحطة، والوحدة الأليمة، وأخيرًا الجوع النفسي الساحق الذي قد تتظوره في عمق أمعائك، وهذا ليس المنتهى، لكن ستُصادف بعض الاشخاص يبيعون سلعً رخيصة ويعرضوا عليك ببعض النصائح والارشادات الغاية منها تضليلك كأن تستبدل التحجر في هذا العالم بما هو حيّ في ذاتك، حتى تخسر آخر ما يملكه ضميرك. لا تغفل عن ذلك، وتحمل المشقات مهما كانت عظمتها، حتى إن اضطررت أن تبقى طريح الأرصفة لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة حتى يحين موعد قدوم قطارك… عندها صدقني يا أخي بأنك ستملك نفسك لأول مرة وتتربع على عرش ذاتك… لأنك ووبساطة قد وضعتها في إطار صورتها الجليلة ورفعتها إلى مقامها الأصيل.

About

Check Also

الثعالب الصغار، المفسدة للكروم

ليس مهماً أن نعرف ضرر الثعالب الصغار التي تتسلل الى الكروم، لكن الاهم أن ندرك …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *